محطة ارتكاز

هناك مراحل نكون فيها بحاجة لشحن طاقتنا وتخفف أرواحنا والاستعداد للبدء من جديد. مراحل نحتاج فيها لوقت مستقطع نتوقف فيه، نبتعد فيه عن الجداول المزدحمة والمهام المتراكمة، ونركز علينا، وعلى كل ما نحب.. وقد يكون الآن، هو الوقت المناسب لذلك.


هذه الأيام نستعد لاستقبال رمضان. ليالٍ قليلة وتصبح ليالينا مختلفة ونهاراتنا مختلفة وكأنها ارتدت حلة جديدة وتزينت من أجلنا، من أجل أرواحنا. وفي خضم استعدادات هذه الأيام بين كومة من الفوانيس والأهلة، لم أستطع أن أكبح جماح عقلي لئلا يستحضر العام الماضي، ورمضان الماضي. لذلك أردت أن يكون رمضان لهذا العام محطة ارتكاز لروحي.


عام مضى


في مثل هذه الأيام من العام الماضي كنا في خضم المجهول. متجهين لطريق لا نعرف نهايته، نعايش أمراً للمرة الأولى، وغير مدركين ولا متأكدين من مشاعرنا، سير خطواتنا، ولا حتى معلوماتنا. جميعنا أخذ يفكر بصوت مرتفع، لنستمع لبعضنا، نفهم بعضنا، ونكون بالقرب من بعضنا (أذكر حينها بأني دونت هذه التدوينه). كانت سنة صعبة، لم يكن رمضان كرمضان، لم نكن نحن كأنفسنا، ولم يكن العالم كالعالم. ولكننا تخطيناها ونسأل الرحمة لمن لم يشاء له الله ذلك. ولكنك أنت تخطيتها.. نعم تخطيتها، وبكل صعوبتها.


العودة


حين بدأت ملامح الحياة تظهر عدنا جياعاً لها. لم نقف (ونقول دقيقة.. دقيقة استيعاب لأرواحنا). لكثيرين لم يكن الوباء هو المعاناة الوحيدة وإنما تسللت بين ثناياه تجارب أثقلتهم من فقد وفشل وخسارة، وربما من فرح لم يتخذ شكل الفرح، وحزن لم يتخذ شكل الحزن. من ترميم يحمل كثيراً من الشقوق ومحاولات عودة لم تستقيم بعد. وتسللت أسئلة كثيرة إلينا. ونسجنا قصصاً وخيالاتٍ أكثر. ورغم مواجهتنا للموت في حياتنا لمئات المرات إلا أن تلك الأيام أعادت إلينا تساؤلات حول الموت والحياة والفقد وصراعنا مع الخلود. ارتبكت أولوياتنا أو ربما أعدنا ترتيبها. تشبثنا بأمور أكثر من أخرى والتي ربما لم نكن نهتم بها لهذا الحد. وتخلينا عن أمور ظننا بأن حياتنا لا تستمر دونها. عشنا تجارباً داخلية بقدر ما عشنا تجارباً خارجية. لذلك، ليكن رمضان محطة ارتكاز أرواحنا. ليكن تلك الدقيقة التي كان من المفترض أن نمنحها لأرواحنا لتستوعب ما حدث.


بلا ترتيب


لتكن هذه المدة كمساحة اللعب التي تُمنح للأطفال مع طمأنينة إذن والديهم لهم بأن يعبثوا بالألعاب ويلقوها أينما أرادوا.. لتعبث أرواحنا بطمأنينة.. لتبكي نفوسنا إن أرادت، لتضحك، لتفكر، لتهدأ بمناجاة ليلية، لترسم الأمل، ثم لتعود وتعبث وتصرخ، ثم ليغزوها الأمل من جديد بمناجاة ليلية أخرى.. لتتخفف، نحن بحاجة لذلك.


لذلك:

كانت سنة تحمل الكثير ومليئة بالكثير. الكثير من الأوقات الصعبة واللحظات الحاسمة والعديد من نسائم الفرح والمتعة محفوفه بالرضى. لذلك ستكون هذه المدة وقت مستقطع لروحي، أعيد فيه شحنها وتنطيفها والاعتناء بها. سأتوقف عن التفكير في أي خططٍ أو مهام وأعود للداخل، استمع له جيداً، أنفذ ما يريد وبلا ترتيب. وأتنفس بعمق. فلا نستطيع أن نملأ أرواحنا بما تريد دون أن نخففها مما أثقلها. لن نستطيع مواصلة المسير بذات اللهفة دون التوقف والتقاط أنفاسنا. ولا يأتينا شروق دون أن يسبقه مغيب.


لنسرف في الفرح


لنستقبل كل ما فقدناه لعام وكأننا نعانق حبيب غائب. لنهتم بتفاصيل الأشياء المفقودة، نتحسس رحماتٍ حلت، وقلب استقر، وشعوراً هدأ، وخوفاً أخذ بالتلاشي. لم ينتهي كل شيء تماماً.. صحيح، ولكننا اقتربنا.. فـ لنتوقف قليلاً، نهدأ ونبتعد عن كل شيء مارسناه لعام كامل. ونسرف في الفرح. نسرف وكأننا لم نفرح من قبل. فلقد أدركنا بأن المرونة هي الخيار الأكثر منجاة، وأن عناق الأهل مرفأ الطمأنينة الأعظم، وبأن صدى ضحكات الأصدقاء أهازيج للحياة، وبأن ضجيج البشر روح هذا العالم.


48 views0 comments

Recent Posts

See All