هل سنفقد ظلالنا؟



تلك الستائر المعلقة والتي كانت أشبه بوحوشٍ عملاقة، وتلك المرآة الطويلة ونبتة بجوارها ذات ظلالٍ متحركة، وخيالات الوحوش القابعة تحت السرير.. أراقب أن يُظهروا لي طرفاً أو تمتد لي يداً. أُغمض عيني كي لا أرى وحشاً، كي لا أرى ظلاً.. أغمض عيني لأنام.. والقصص في رأسي لا تنام.


علاقتي بالظل في طفولتي المبكرة لم تتجاوز اللعب، ألاحقه وانتظره أن يلاحقني. أراقب قدومه حيناً واباغته أحياناً أخرى (يعني امشي والتفت فجأة عشان أشوف كيف ومن وين جاء ههه). وبعدها تعايشت مع وجوده ونسيته. ثم ذكرتني فيه قصص الكارتون، فكان الحب المنتظر في يا صاحب الظل الطويل، ثم أصبح يرافق قصور الأشرار المرعبة في قصص أخرى. ثم اتخذ الظل منحنى آخر حين كبرت وبدأت الاهتمام بالفن والتصميم فأصبح يعني الجمال. ومؤخراً حين بدأت أقرأ حوله تفاجأت بأنه مرتبط بمفهوم المظهر والحقيقة، وفكرة المبدأ والأصل والفرع. وهناك مقولة تقول: الأصل في الأشياء الظل.. فكيف يكون الظل هو الحقيقة والأصل وهو الذي ارتبط منذ قصة كهف أفلاطون بالحياة الوهمية الشريرة.


إن كان الظل الحقيقة، فأين هي حقيقتنا؟... وهل تكون حقيقتنا ضمن التشابه أم ضمن الاختلاف؟ حين يتجه الكثيرين لشيء ما، هل بالضرورة أن يكون الحقيقة؟، حقيقتنا؟ هل تكون حقيقتنا في التشابه؟ أن نسعى لأن نكون ضمن جمعٍ ما. هل هو يعرفنا؟، هل هو حقاً ما نريده؟، ربما نعلم وربما لا نعلم. ولكن المهم أن نكون ضمن جمعٍ ما، أن نسعى لانتماء. أم هل تكون حقيقتنا في الاختلاف؟ أن نسعى لحماية أسوارنا ونبذ ما دونها حتى لا نشبه أحد ولا أحد يشبهنا.. وهل لكي نفهم من أنا لابد أن نفهم من نحن أولاً، أم العكس؟


عشان نفهم ظلالنا وندركها، لازم نفهم الظل نفسه. تقول فاطمة الوهيبي في كتابها الظل: بأن الظل ذو علاقة ملتبسة فهو غير متعين وغير مادي بالمعنى الكامل إلا من حيث تشكله أمام البصر. لذلك دايما فيه فجوة بين مظهرية الظل كشكل متجسد وبين دلالاته كمفهوم. وما نقدر ندرك الظل ونعي به دون المرور بهذه الفجوة.. وأعتقد بأن ظلالنا على الصعيد الفردي أو الجماعي لا يمكن إدراكها دون المرور بهذه الفجوة أيضاً. لذلك قسمت فاطمة الوهيبي الظل إلى ثلاث معاني: الأول مادي وهو المظهر الواقعي، والثاني رمزي وأخلاقي حيث يرمز للروح والقيم، والثالث ماورائي وله ارتباط بقضية العودة للأصل. إذاً، هنا أيضاً الظل هو الحقيقة والأصل. لذلك يكون السؤال الأهم هنا: هل من الممكن أن تُفقد الظلال؟


أحب الأدب لأنه قصصنا التي نخشى روايتها، حين نشعر بالراحة لقولنا بأنها قصة خياليه ولكننا ندرك كم تغوص في عمق حقيقتنا. أحب الأدب لأنه يجعلنا نرتدي عدسة نرى بها أشياء تجاهلنا وجودها..

أحب الأدب لأنه قصصنا التي نخشى روايتها، حين نشعر بالراحة لقولنا بأنها قصة خياليه ولكننا ندرك كم تغوص في عمق حقيقتنا. أحب الأدب لأنه يجعلنا نرتدي عدسة نرى بها أشياء تجاهلنا وجودها.. لذلك رح استخدم الأدب كثيراً هذه الحلقة للبحث عن معنى الظل فينا..... في أدب فيكتور هيجو فأن الظل هو الحقيقة العميقة للنفس. حيث قال في أحد كتبه: من يريد رؤية الخارج عليه أن ينظر إلى أعماق نفسه. إن المرآة العميقة القاتمة موجودة في داخل الإنسان، هنالك توجد الظلمات المضيئة. إنها أكثر من صورة، إنها ظل. أي أنه الحقيقة من منظور فردي للإنسان. ولكن كان دوماً ما يقرن الظل بالماء متمثل في البحر والمحيط ليرمز للسلطة الاجتماعية. وكأن الليل هو معركة بين الظل والماء، لتنجب الحقيقة.. لو كانت انتصارات المعارك تُحسب بما تهبه لنا من حقيقة.....بينما يرى الروائي الياباني تانيزاكي بأن الظل هو الإرث الغير محسوس للثقافة أو الحضارة وهنا تكمن الحقيقة. فرثى الطراز القديم للبيوت اليابانية في كتابة In The Praise of Shadows ومن وجهة نظرة أن الحياة الحديثة جعلت تصميم البيت الياباني مليء بالإضاءة وهو الذي تكثر فيه الظلال ولا يمس النور الكثير من أماكنه. وأن الإنسان الياباني القديم حين أجبر على العيش في غرف مظلمة اكتشف الجمال في الظل. واكتشف أننا لا نجد الجمال في الشيء بذاته وإنما في أنماط الظلال والنور التي يخلقها شيء مقابل الآخر. لذلك فهو فقد التلذذ بالظل لأن خياله يتحرك بشكل أفضل داخل الظلام. هنا كلمتين: ظلي وظلالنا، فهل يمتلكون الحقيقة ذاتها؟


بين الظلال الفردية والجماعية تتشابك المسألة وتتوحد النتيجة. فالفرد من يبني الكل والكل من يؤثر على الفرد. وبأن ذاتك وشخصيتك كفرد قد بُنيت من تفاعلك الاجتماعي مع الآخرين منذ أن كنت رضيعاً. فالإنسان لا يستطيع العيش وحيداً مهما ندد بشعارات الاكتفاء الذاتي واعتزال البشر. فنحن نحيا ضمن الجموع. نحن بحاجة إلى الانتماء. ولكن ما الذي نسعى للانتماء إليه؟ ما هي (نحن) التي نريد أن نكون ضمنها. هذا السؤال بالتحديد المضمون الرئيسي لآخر إصدار لمجلة The Philosopherماهية (نحن) What is WE? وهو عنوان الإصدار. حيث يسعى العالم لأن يكون هناك big we تضمه جميعاً. أن تذوب ظلال الخصوصية أمام الانتماء للكل مثل ما رثى تانيزاكي ظلاله. أن تُفرض ثقافة المفهوم الواحد كبديل للتنوع الثقافي. لا نجادل هنا إن كانت صحيحة أو لا، وإنما هل هي عادلة؟ هل يجد الإنسان بهذا النوع حقيقته؟ أم يتوه في البحث عن انتماء يشبهه وينتهي بالوحدة؟.. أن يُقال أنها ثقافة الظل الواحد ولكنها في الوقت ذاته تتفهم الاختلاف، بينما هي، في الحقيقة، تصدر نوع واحد للفرد، نوع واحد للمجموعة، نوع واحد للنجاح وللفرح وللحزن على أنه النوع المثالي.. فإما أن تنضم إليه أو تكون مختلفاً.. هل لما نقول إن كلنا مثل بعض أو نشبه بعض أو متساوين يجعلنا نتجاهل حقيقة هي عكس ذلك.. إننا مختلفين، ولا زي بعض ولا متساوين، وهذه حقيقة.. فلو كان البشر يؤمنون فعلاً أننا مثل بعض، فهل من الطبيعي أن يحتفي البشر بما هو طبيعي؟ أن يكون اكتساب الحقوق إنجاز؟


في مقالة How Culture Die? لباتريك دينين بروفيسور في جامعة جورجتاون يقول بأننا كبشر نسير وبكل ثقة نحو الثقافة الأحادية وهي شكل واحد فقط من أشكال الحياة. بينما وفقاً للطبيعة مثلاً فهي تمقت الزراعة الأحادية وهي غير موجودة ولن تكون موجودة لولا الإنسان الحديث. أما البشر فهم يتسابقون ليكونوا متطابقين ويخافون من كونهم غير ذلك. بل وإن التعليم يحرص على إنشاء طبقة فكرية متجولة عديمة الجذور ويعتبر ذلك نجاحاً... فلو أخذنا على سبيل المثال السوشل ميديا واللي أصبحت أشبه بفلتر لكيفية رؤيتنا للعالم، وكأن فلاترنا المختلفة تذوب باتجاه فلتر واحد.. بالأفكار، التعاطف، الحب، وغيره. وهذا ذكرني بجملة لبول فيريليو في كتابة ماكينة الإبصار واللي يتفق فيها مع ديكارت، قال: في اللحظة التي ادعينا فيها امتلاكنا وسائل تسمح لنا بأن نرى بشكل أوسع مالا يُرى من الكون.. بدأنا نفتقد قدرتنا الضعيفة على تصور الكون. فهل في النهاية رح نواجه نهاية التاريخ مثل ما قال فرانسيس فوكوياما، أم نواجه صراع حضارات مثل ما عارضه زميله صموئيل. فهل يمكن أن تكون لنا جميعاً الظلال ذاتها؟


هل نحن بحاجة إلى التشابه إم نحن بحاجة إلى الاختلاف؟ أيهم يمثل حقيقة ظلالنا؟.. أعتقد بأننا نحتاج التشابه لكي نعرفنا، لانتماء نعرف به ذواتنا. لـ نحن متعددة نسردها حين نُسأل (من أنت؟)، نبدأ نعدد انتماءات، أو مجموعات، أو تشابه نعرف به أنفسنا. فنحتاج التشابه لنعرفنا، ولكننا نحتاج الاختلاف لنفهمنا. فلا ندرك الشيء إلا بضده. ولا نفهم فكرة أو شعور إلا بعكسه. ولا وجود لمجموعة دون أخرى. لذلك قد يُستغل الاختلاف في توطيد التشابه، كما يقال لا يتحد الناس إلا في مواجهة آخرين. مثل رواية جورج أورويل ١٩٨٤ لما كانت الدولة تخصص دقيقتين يومياً لهتاف موجه ضد عدو مختلق تقريباً كي تضمن اصطفاف الشعب رغم عيوبها. وحتى على الصعيد الفردي مثل ما قال إيكو في روايته مقبرة براغ بأنه يجب أن يوجد دائماً أحد نكرهه لكي نجد لأنفسنا ما نبرر به بؤسنا الخاص. فهل هذا الوجه للاختلاف، بعيداً عن وجهه في الثراء والدهشة والزوايا العديدة التي يكفلها لرؤية العالم، هل يوجد هذا الوجه في الاختلاف فقط. ألا يمكن أن يوجد في التشابه، أو أن يكون هو التشابه؟.. هل لو كان هناك محيطاً تذوب فيه الحدود وتفقد الجذور ويسود التشابه، ويتعذر على الاختلاف أن يجد مكاناً، هل سيكون مكاناً صالحاً للعيش؟ فهل التشابه ينفي الاشياء السلبية أم هو جاذب لها؟ هل نقدر نكون متشابهين؟ وإذا كان الجواب لا، ليش يسعى الناس انهم يكونون متشابهين؟ ليش نخاف من الاختلاف أو ربما نخجل منه، ونبي نكون زي بعض، وممكن نحب شيء لأن غيرنا يحبه أو نسوي شيء لأن غيرنا يسويه حتى لو ما كنا مقتنعين فيه؟ وليش يصعب علينا فهم الاختلاف أو تقبله أو ربما احترامه؟


فيحاول البعض غمر أنفسهم داخل مجموعة من أجل الهروب من مسؤولية الاضطرار إلى اتخاذ خيار لأنفسهم.

نضيع بين التشابه والاختلاف.. هل علينا أن نشبه الآخر أم نختلف عنه.. هل حقيقتي في التشابه أم في الاختلاف.. أم كليهما؟. وأحياناً نشعر بالتزام نحو أحدهما. فلغرض انتماؤنا لمجموعة ما قد نتجاهل بعض الحقائق. أو حتى انتماؤنا لذاتنا فنشعر بواجب وفاؤنا لصورة وجدنا أنفسنا عليها أو ما كنا عليه في الماضي، ونشعر بعدم صدقنا إن أردنا تغييرها. وأحياناً أخرى نشعر بالالتزام نحو أو ضد الاختلاف فنرفض شيء ما لمجرد اختلافه أو ربما نقبله للسبب ذاته. وبين ضياعنا لأفضلية التشابه أو الاختلاف، وبين وفاؤنا لأصالة أنفسنا وحقيقتها مقابل ما يواجهها. أين نجد أنفسنا كأفراد أمام كل هذا؟ فنحن كبشر إن أردنا الانتماء، وأن تكون هناك مجموعة تعرفنا، ننتمي إليها، لا بد أولاً أن ننتمي لذواتنا. لذلك عليك أن تعي بأن الـ (نحن) التي تنتمي إليها لن يكون أفرادها متشابهين رغم ذات الانتماء. وبأنه لا يكفي أن تمارس جزء معين أو فعل معين لتكون قد انتميت لمجموعة ما، فالبشر يتشاركون ثراء اختلافهم ولكن المشاركة ليست انتماء، أو ليست كل مشاركة انتماء. وبأنه في كثير من الأحيان يسعى الكثير للانتماء هرباً من ذواتهم. فيحاول البعض غمر أنفسهم داخل مجموعة من أجل الهروب من مسؤولية الاضطرار إلى اتخاذ خيار لأنفسهم. ولكن لا يستطيع البشر التجرد من الانتماء، مهما قالوا بفكرة الفرد المستقل. وإن أراد الجميع عدم الانتماء، سيصبح هناك مجموعة كبيرة اسمها (عدم المنتمين) وسرعان ما يجدون لها أسس وقوانين. فهؤلاء هم البشر. فلا يستطيع الفرد التجرد من الكل، ولا يستطيع الكل أن يصل إلى شيء إذا لم يصل الفرد. فقبل انتماؤك لـ (نحن) معينه لابد أن تنتمي لذاتك أولاً. فدون انتماؤك لذاتك ستسير بلا بوصلة، وإن كان الفرد لا يصل في النهاية إلى أي شيء فلن يكون بإمكان مجموعة كاملة من الأفراد إضافة إي شيء. وبالنهاية فالفرد يمتلك القيمة المطلقة ولكن لا يتم تعريفه إلا من خلال علاقته بالعالم وبالآخرين.


فظلالي طرقٌ وأحجارُ وحشائشُ وأنهارٌ تجري، قصصٌ وشعرٌ وبلدان اُختصرت في انحناءاتي أمام النور..

وفي الختام: إلى تلك الوحوش التي ملأت الغرفة.. أدركت الآن أن الظلال ليست وحوش وإنما هي قصصنا، عمق حقيقتنا، هي نحن.. لم أعد أهرب من تلك الوحوش بل أقف أمامها وأراها وأراني. أصبحت لدي الشجاعة أن أراها في الظلام.. لا أهرب منها، لا أخشاها، ولا أسعى لطمسها.. أدركت بأنها دوماً موجودة ولكن قليل من النور يجعلني أراها.. ولم أعد بحاجة النور كي أدرك ظلالي. فظلالي طرقٌ وأحجارُ وحشائشُ وأنهارٌ تجري،، قصصٌ وشعرٌ وبلدان اُختصرت في انحناءاتي أمام النور... أدركت أن للجميع ظلالٌ ووحوش، هربوا منها عمراً ثم أدركوا أنهم هم الظلال.. أو مازالوا يهربون.

88 views0 comments

Recent Posts

See All