• Wafa Rashed

.. كورونا وغريزة البقاء



كان ياما كان، هناك فايروس صغير لا يرى بالعين المجردة استطاع أن يكون وجبة دسمة في كل مجلس حديث وان اختلفت لغة متحدثيه، ديانتهم، بيئتهم، وثقافتهم. استطاع أن يثبت أنه مهما اختلف البشر في هذا العالم بلغاتهم ودياناتهم وحضاراتهم، فإنهم يشتركون في بشريتهم، مشاعرهم، وما يخالج نفوسهم. وأنه مهما اختلفت رغباتهم، وآمالهم تبقى رغبة الحياة والعيش هي الأسمى. استطاع أن يثبت أن العلم أقوى الأسلحة، وأن الأوطان هي المأوى الآمن لكل منا.


مع اكتساح هذا الوباء للعالم وما تبعه من قرارات سياسية وصحية وتعليميه، وما ترتب عليه من خسائر بشرية واقتصادية، فكيف يكون وقعه على النفس البشرية؟ ما أثر هذه الأخبار في نفوسنا؟ وما الذي يدفع ردود أفعالنا؟..

في أوج هوس هذا الوباء هناك عاملين رئيسين تندرج تحتهم عوامل فرعية لهم الأثر الأعمق في تأجيج أجهزتنا العصبية، مشاعرنا، واللاوعي فينا وهي: غريزة البقاء، وكوننا كائنات اجتماعية:


غريزة البقاء


الخوف هو من أعمق وأقدم وأقوى المشاعر المتأصلة في النفس البشرية. تختلف التجارب التي يُثار فيها هذا الشعور في النفس ولكن تبلغ أوجها حين ترتبط بحالتين، أولاً: بغريزة البقاء لدى الإنسان وبمواجهة مشاعر عميقة كهذه تتمثل في موتٍ ومرض. وحين يسيطر الخوف على مشاعر الإنسان يُخفض المنطق فيه وتضعف قدرته على التفكير العقلاني ويمكن تضخيمه واستمراره حتى يؤدي إلى نوبات هلع يصعب السيطرة عليها. فكل ما يؤدي إلى تهديد فكرة البقاء وغريزته لدى الإنسان يُقابل بخوف يشتد أو يضعف حسب طبيعة الشخص. ثانياً: الجديد والمجهول: في الحالات الطبيعية والتي لا يتبعها ضرر بل التي قد يتبعها ربح أو نجاح، تُثار مشاعر الخوف في الإنسان تجاه المجهول والجديد فكيف أن كان هذا الجديد والمجهول مرض قد يهدد حياته. فالخوف من الجديد يجعلنا نفاجئ من أعداد المتوفين من كورونا دون غيرهم، فالمتوفين سنوياً من الحروب والفقر والحوادث أعداد اعتادت عقولنا على سماعها، لم تعد معلومات جديدة تثير جهازنا العصبي. وهنا تبدأ حالة الخوف والقلق تزيد لدى الإنسان بسبب جهله أيضاً أمام الموضوع. رغم وجود أمراض أخرى تفتك بالبشرية بأضعاف مضاعفة كالسرطان والانفلونزا وغيرها ولكنها ليست مجهولة لذلك لا تثير الذعر ذاته في النفوس. فالحافز الرئيسي هنا بالخوف المتصاعد هو المجهول والذي يقودنا إلى حتمية إيجاد تفسير. وحين يصطدم الإنسان بحدود معرفته لأمر معين فإنه يتقاطع مع اللاوعي ويستعين بالخيال ليكمل الصورة ولينقلها من اللامعلوم للمعلوم لتصبح منطقية أكثر وذات معنى. ومن هنا تبدأ تنتشر وتكثر التحليلات والتفسيرات وتجد الشائعات بيئتها الخصبة مثل التفسيرات السياسية ونظرية المؤامرة، أو التفسيرات الدينية كونه غضب إلهي، أو التحليلات الطبية في طرق العدوى والوقاية. الجدير بالذكر هنا أنه من ناحية علمية في علم الوبائيات هناك قاعدة مفادها كل مجهول هو مخيف، لذلك فإن الاجراءات الوقائية والاحترازية المكثفة لا تعني بالضرورة مدى خطورة الفايروس وإنما يمثل قلة المعلومات المتوفرة عنه. فمصادمة المجهول في أمرٍ وجودي يدفعنا للتفسير ويثير فينا الخوف ويؤجج حاجتنا للسيطرة وهي النقطة التالية.


السيطرة: إذا اتفقنا بأن جميع الكائنات الحية بأنواعها ولا سيما البشر لديهم غريزة قوية وهي البقاء، فالسيطرة تساعدهم على القيام بذلك. الشعور بأننا نسيطر على حياتنا وكل ما يحيطنا يجعل نشعر بأننا أكثر أماناً ويجعل ما حولنا أقل تهديداً، بينما فقدان السيطرة يُشعرنا بالقلق بل بالاكتئاب أحياناً. يقول عالم النفس إليوت د. كوهين: أحد أكثر المخاوف شيوعاً لدى الناس هو فقدان السيطرة. الخوف من أنك إذا لم تتمكن من التحكم في نتائج الأحداث المستقبلية، فسيحدث شيء فظيع. لذلك فهي غريزة إنسانية أخرى نتمسك فيها لتُشعرنا بأننا أكثر أماناً وتحكماً. وتصبح الرغبة في السيطرة أكثر إلحاحاً حين ترافق خطرٌ كهذا الوباء. تُدفع السيطرة بالتوتر والذي يُخيل لنا أن زيادته وارتفاعه تجعلنا أكثر استعداداً في مواجهة الخطر دون أن نشعر بأن كثرة التوتر قد تضعف جهازنا المناعي الأمر الذي يبعد كثيراً عن فكرة الاستعداد. فالأنواع الرئيسية للخلايا المناعية هي خلايا الدم البيضاء، وعندما نتعرض للتوتر، تقل قدرة الجهاز المناعي على مكافحة المستضدات وهذا السبب يجعلنا أكثر عرضة للعدوى، فيمكن لهرمون التوتر (كورتيكوستيرويد) أن يوقف فعالية الجهاز المناعي. وتُقاد السيطرة بمشاعر مثل إلحاح معرفة كل معلومة وكل جديد ويرافق ذلك الرغبة في متابعة الأخبار وكل جديد والتي تضفي عليك شعور مزيف بالسيطرة. وتُقاد السيطرة أيضاً بمشاعر مثل هلع الشراء الذي انتشر في عدد من المدن حول العالم حيث تم خلو الكثير من المحال التجارية من المواد الغذائية، وأيضاً مشاعر الاختباء وهوس الكمامات وغيرها. وكل ذلك يُشعر الإنسان بأنه أكثر سيطرة واستعداداً في مواجهة مجهول يهدد بقائه.


التحيز السلبي: يشير انحياز السلبية إلى حقيقة أن عقل الإنسان يتجه نحو الخسارة أكثر من الربح، ويعلق في الأخبار السلبية أكثر من الإيجابية، ويرتبط بالذكريات الحزينة أكثر من المفرحة. ففي علم النفس الإدراكي نحن نعطي اهتماما أكبر للخسارة أكثر من الربح فعلى سبيل المثال نحن نتألم بشكل مضاعف من فقدان أو خسارة مبلغ ما مقارنةً بشعورنا بالرضا من كسب المبلغ ذاته. وكل ذلك بسبب غريزة وجودية فينا وهي غريزة البقاء، والتي في الأوقات القديمة والأكثر خطورة قد يكون هذا الانحياز قد وفر فائدة تطورية للبشرية، بمعنى على سبيل المثال كان من المحتمل أن نلاحظ تهديدات محتملة لسلامتنا. ولكن في العالم الحديث تم تسخير انحيازنا السلبي للحصول على اهتمامنا. وهذا يفسر انتشار الأخبار السلبية وتلقيها وتناقلها ومناقشتها باهتمام، الأمر الذي يصب في مصلحة الإعلام. وانحياز السلبية يقود إلى انحياز التوفر، بمعنى أنه بعد رؤية حدث سلبي فإننا نبالغ في تقدير أهميته. وحين نبالغ في تقدير أهميته ونفكر فيه بشكل متكرر، نسعى بنشاط لجمع معلومات حوله، وذلك يقودنا لانحياز ثالث وهو انحياز التأكيد، والذي يجعلنا أكثر عرضة للوقوع على البيانات التي تدعم هذا الاعتقاد (اعتقاد تقديرنا المبالغ لخطورة حدث سلبي).


نحن كائنات اجتماعية


بسبب كوننا كائنات اجتماعية وتغلغل ذلك في تكويننا النفسي كبشر وفي فطرتنا، فنحن نريد البقاء ضمن المجموعة ونتبنى مشاعر الأغلبية ونسلك ذات التوجه. فحين يغلب على العالم شعور الخوف فنحن بشكل لا واعي نتبنى هذه المشاعر، وحين يتجه الغالبية للحديث حول موضوع معين فإننا نسلك ذات الاتجاه ونشارك نفس موضوع الحديث بل أن عدم حديثنا قد يشعرنا يأننا تخلفنا عن الركب أو أننا في الاتجاه المعاكس له. لذلك توجه المجتمعات لأخبار كورونا وتناقلها يجعلنا نسير بالاتجاه ذاته، بل أنه يجعلنا نغفل عن أخبار ومخاطر العالم الأخرى والتي حدثت خلال هذه الفترة، فعقولنا تجعل كل ما يخص هذه الأزمة تحت المجهر والتي لها أولوية الملاحظة. تبنينا ذات الاتجاه يجعلنا نتجه لتقليد بعضنا البعض ونتبع ذات الخطوات دون التحقق حتى من صحتها أو اهميتها. فهوسنا الاجتماعي يصور لنا بأن كورونا هي الخطر الوحيد الذي يهدد البشرية. لذلك من منطلق كوننا كائنات اجتماعية فأن ذلك يرفع من مفهوم المسؤولية الاجتماعية لدينا ويظهر ذلك في كثرة التفسيرات والتحليلات وتناقل الأخبار وبالطبع كثرة الشائعات.


وفي الختام: كبشر فمشاعرنا حاضرة ومتواجدة في كل عملية من العمليات الإدراكية. وأن محركنا هو الدافع والشعور أو المشاعر، ويعرفها الطبيب النفسي جوردان بيترسون بأنها شخصيات ثانوية، بمعنى حين يسيطر عليك دافع ويقودك شعوره المصاحب فأنت تكون لا شيء سوا هذا الدافع. على سبيل المثال: حين تكون غاضب فأنت لا شيئ سوا الغضب، تفقد كل منطق وقدرة على التفكير وتتجه حيث يوجهك هذا الشعور، وكذلك الجوع مثلاً، وكذلك الخوف، فحين تخاف تفقد القدرة على التركيز ويسهل السيطرة على أفكارك والتلاعب بك، فأنت لا شيء سوا الخوف حين يسيطر عليك. لذلك فهمك لعقلك ومشاعرك يجعلك أكثر اتزاناً في مواجهتها، وأكثر قدرة في التحكم بها. حين تفهم بأن غريزة البقاء لدى الإنسان هي من تشعل مشاعر الخوف لديه، وأن الخوف يصاحب الجديد والمجهول، وأنه مهما كثرت التبريرات حول الهلع المبالغ فإن هذا الوباء سيبقى المسيطر على أذهان البشر بسبب قصور المعلومات والجهل حوله، وأن التعرض المتكرر والمستمر يجعل عقولنا تضع كل خبر حول هذا الموضوع تحت المجهر بسبب ما يسمى بالتحيز السلبي، مما يزيد التوتر وازدياده يثير رغبة السيطرة لدينا والتي بدورها تبعث فينا رغبة متابعة كل خبر وتناقله الأمر الذي يولد بيئة خصبة للشائعات. يرافق ذلك فطرتنا الاجتماعية والتي تجعلنا نخشى أن ننأى لمكان يخالف الجموع لنتبنى التصرف ذاته، الشعور ذاته، والممارسات ذاتها.


هذا الوباء ليس استثنائياً بل أن سرعة انتشاره من جعلته كذلك، حين اجتمع العالم اجمع على ذات المصاب بسرعة قياسية، كشف لنا أن رغم التغييرات التي شهدتها البشرية في عصور عديدة تبقى النفس البشرية هي ذاتها في خوفها، في طريقة مواجهتها للمجهول، في تمسكها بالحياة.. فاللهم ارحم ضعفنا وقلة حيلتنا واحمنا بقدرتك وفيض رحمتك.



58 views

يأتيكم بحب من المملكة العربية السعودية

© جميع الحقوق محفوظة

  • 265-2652947_helping-sells-radio-apple-po
  • google-icon-white
  • SoundCloud
  • Twitter