لماذا علينا قراءة الكثير من الروايات؟



في محطات كثيرة في حياتنا نتقاطع مع العديد من الأسئلة، أسئلة نتأملها حيناً وتقلق منامنا أحياناً. أسئلة لا تطلب إجابة علمية أو اثباتاتٍ بحثية بل يكون مستراحها انعكاس بشريتنا وشعوراً إنسانياً يتم شرحه. عندما نسأل نريد أن نتأكد بأن تجربتنا ليست فريدة وشعورنا ليس غريباً، وذلك الخطأ الذي ارتكبناه يحدث للكثير وتلك الحماقة قد وقع فيها غيرنا. نبحث بين الأحداث عن صحة اختيارنا وضماد جرحنا وصدق مبتغانا ونريد من يؤكد لنا وجود تلك النهايات المبشرة التي تنتظرنا. والأهم أن نتأكد من كل حدث يتم سرده بأننا لسنا وحدنا.


منذ أن وجد الإنسان على هذه الأرض وهو يسأل ويتساءل باحثاً عن المعنى في كل ما حوله. ومقابل كل تلك الأسئلة كانت القصص الطريقة الأكثر فعالية للإجابة عنها. فنتمكن من رؤية العالم من خلالها، التعاطي معه وفهمه. فكان كل سؤال نسأله في طفولتنا نقصد به "أخبرني قصة" وكل تساؤل ندسه بين جملنا حين كبرنا نقصد به "أرحني بقصة"

عندما نسأل نريد أن نتأكد بأن تجربتنا ليست فريدة وشعورنا ليس غريباً، وذلك الخطأ الذي ارتكبناه يحدث للكثير وتلك الحماقة قد وقع فيها غيرنا.

رؤيتنا للقصص


من منطلق أن البشر يسعون خلف الخلود وبأن الكتابة هي عشبة جلجامش الذي ظل يبحث عنها، وباعتبار القصة هي استحقاقك كي يتم تخليد ذكراك وسردك، وكأن لابد أن تبذل شيئاً لذلك الاستحقاق وتلك العشبة. أن تعاني وتفقد وتتألم، كي تكون ضمن قصة. فهل يجب أن نعاني الفقد ونسعى باحثين عن نقيضه مثل جلجامش كي يتم تناقل قصتنا؟ أو أن نعايش اليتم كـ آن في المرتفعات الخضراء وأوليفر تويست أو نعاني الفقر أو الرفض. من تلك القصص التي نجلس بحماس منتظرين سماعها أو مشاهدتها أو قراءتها كونت عقولنا فكرة الحبكة وأن القصة الجيدة تدور حول المتاعب وبأننا لا نريد أن نستمع لقصة يقوم فيها البطل بكل شيء بشكل صحيح. فرسمت عقولنا الحكاءة قوى الخير والشر وبطل يصارع حتى يصل لنهاية طال تمنيها وبأن كل ما يبلغه من سعادة كانت مدفوعة الثمن. ولكننا نسينا بأن البشر ليسوا البطل فحسب، بل نحن كل تفاصيل الحكاية وكأن القصص مسرحاً للنفس البشرية، تكون فيه كل أجزاء القصة قوى تلعب أدوراً في تلك النفس بوعينا حيناً وبلا وعينا أحياناً كثيرة. وليست الشخصيات الأخرى فحسب بل حتى البساط الذي يطير في علاء الدين وخطاف كابتن هوك الذي التهمه التمساح باعتباره الوقت في بيتربان وقاع المحيط في بينوكيو والغابة التي تاه فيها هانسيل وغريتيل، كل تلك التفاصيل هي انعكاس لمزيج النفس وأجزاؤها واصواتها.


تحمل قصصنا ذات الاتجاه


ترتبط نفوسنا بالمعنى وتتجه نحو نداءات النضج، سواء برغبتها أو عدمها هي مخولة للسير نحو ذلك الاتجاه. هذه الوحدة البشرية لنفوسنا جعلت القصص باختلافها واختلاف زمانها ومكانها والثقافة خلفها تتخذ قالباً مشترك يثبت هذه الوحدة، اسماه جوزيف كامبل بمسيرة البطل في كتابه "البطل بألف وجه". فمهما اختلفت القصص واختلف أسماء الأبطال فيها والخلفيات الثقافية التي تمخضوا عنها، فإن سمات القصة الكبرى هي ذاتها والمسيرة تمتلك ذات الملامح. يتحدث كامبل بالتحديد عن وحدة الأساطير والبطل الأسطورة، ولكنني أراها تنطبق على أغلب القصص -ان لم يكن جميعها- حتى على قصصنا التي نرويها عن أنفسنا.


يخرج البطل من حياته العادية وبيته العادي سواء كان منزلاً صغيراً، كوخاً، أو قلعة. وقد يعاني فيه من كربٍ ما ويكون بحاجة لما خلف الحدود ولا مجال للخارق في حياته. قد يخرج برغبته الشخصية متبعاً نداءات لم يهدأ صوتها داخله، وقد يكون مرغماً على ذلك الخروج، وقد يكون خروجه لهثاً خلف غواية ما. لم يكن خروجه سهلاً وقد يكون رفضه مراراً وتقوقع هارباً إلى ماضيه، ولكنه بالنهاية ينصاع لرغبة الخروج. ولصعوبة هذه الخطوة قد يساعده أحد لعبور العتبة الأولى، تتمثل هذه المساعدة في نصيحة تأتيه من شخص ما -عجوز حكيم مثلاً- أو مرشد يمسك بيده أو حدث يؤجج رغبته ويثبت صحة قراره. ثم يكون خروجه إلى عتبة المغامرة وتكون تلك العتبة محفوفة بالغموض فيهزم البطل تلك القوى أو يسترضيها ليكمل طريقه.


يكمل البطل طريقه لما بعد العتبة. لعالم القوى الغير مألوفة، يمر فيه باختبارات ومصاعب ومحن حتى يصل إلى القاع، مثل قاع المحيط في بينوكيو وفي أعمق نقطة ببطن الحوت. يصارع البطل كثيراً ولكنه يخرج من هذه المحنة الرهيبة ببلوغ التشافي والذي إما أن يكون عبر الطبيعة مثل هايدي وآن في المرتفعات الخضراء أو بالحصول على العلم والاستقلال مثل جودي في يا صاحب الظل الطويل وهاري بوتر وآخرين. وتكون جائزة هذا الانتصار في جوهرها اتساع لمدى وعيه وبالتالي لمدى وجوده. ثم آخر ما يفعله البطل هو العودة. يعود وينقل ما تمكن من فهمه من حكمة عبر سلوكه وتعاليمه. فتلك الدورة التي خاضها ونقلته لمستوى وجود آخر ووعي آخر يجب عليه تلقينها للآخرين.

مهما اختلفت القصص واختلف أسماء الأبطال فيها والخلفيات الثقافية التي تمخضوا عنها، فإن سمات القصة الكبرى هي ذاتها والمسيرة تمتلك ذات الملامح.

تصنعنا القصص وتشفينا


قد تشترك قصتك في جانب أو أكثر من مسيرة البطل. لذلك فهمنا للقصص يجعلنا قادرين على فهم قصتنا واستيعاب مراحلها وتقلباتها ويجعلنا أكثر تصالحاً معها وأكثر راحة في سردها. تقول مايا أنجلو: "ليس هناك ألم أعظم من أن تحمل بداخلك قصة لم تروى." كلنا نحمل داخلنا تلك القصة التي لم تُروى بعد، ربما حتى لأنفسنا. قد يكون خوفاً من المواجهة والنبش وظهور وجه آخر غير الذي ألفناه وتعايشنا معه لتلك القصة، وقد يكون ألماً لا نعي مكانه ومصدره الحقيقي، وقد تكون ذاكرتنا حجبت عنا الكثير ثم استسلمنا. تلك القصة بحاجة أن تُروى لتُفهم لتهدأ أرواحنا وتستقر، وتكمل أيامها دون ثقل حملها معها أينما ذهبت.


يقول فليتشر: "ما يميز الدماغ البشري هو قدرته على سرد القصص." قال ذلك بعد أن نقل مجال دراسته من علم الأعصاب إلى الأدب. وتوصل إلى ضرورة تدريس الأدب كمجال علمي واسماه بالتقنية. وحين سُئل عن سبب تلك التسمية، أجاب بأن التقنية تسعى إلى اتقان كل ما هو غير بشري بينما الأدب والقصص تساعدنا على اتقان كل ما هو بشري. بفهم المشاعر الإنسانية من حزن وغضب وفرح، بالتعاطف مع الآخرين وإدراك التجارب والتعلم من خلالها. وربط فليتشر النجاح في الحياة بفهم القصص وكيفية عملها والطريقة المثلى لذلك هي الأدب.


حديث فليتشر ذكرني بتجربة اسمها "قراءة العقل بالعين". تكمن فكرة التجربة في عرض صور للجزء العلوي من الوجه (العينين فقط) على مجموعة من الأشخاص ويُسألون عما يشعر به صاحب تلك الصورة الغير مكتملة. من خلال تلك التجربة توصلوا بأن قارئين الروايات كانوا الأعلى في عدد الإجابات الصحيحة. وسبب ذلك هو أن عقولنا تتعامل مع القصص بنفس نظام المشاعر اللي تتعامل فيه بحياتنا الواقعية. بمعنى إن قرأت جملة عن القفز عالياً فستتفعل نفس المنطقة في دماغك وكأنك قفزت في الواقع. وإن قرأت خلال القصة كلمة "قهوة" أو "حديقة ورد" سيكون لديك أيضًا نشاط في قشرة حاسة الشم، والتي تضيء بنفس الطريقة التي تضيء بها إذا كنت تشم تلك الروائح بالفعل. والجدير بالذكر أن ذلك لا يحدث بقراءة الكتب الواقعية أو العلمية. لذلك القصص تمنحنا فرصة خوض تجارب وعيش أحاسيس دون مخاطرة عيشها في الواقع.


حين تكون قارئاً نهماً للروايات ومنغمساً بها فإنك تملك أرشيفاً ضخماً من تجارب البشر، وفهماً عميقاً للشعور الإنساني. ستفهم الإيماءات وتدرك الأفعال وتلتقط ما خلف الصمت والكلمات، ويكون ذكاؤك العاطفي غنياً مشعاً لا ينطفئ.. ليس تجاه غيرك فحسب بل حتى تجاه ذاتك. فكل ما قرأته سيكون استشفاؤك وترياقاً لألمك. ستفهم حزنك وتشعر بأنك شرحته لمجرد أنك شاهدته أو قرأته مراراً، سيغزوك الأمل وستطمئن بإدراكك بأنك لست وحيداً ضمن هذا الشعور. ستخلق الطرق نفسها أمامك وستجد اتجاهاتها بين ثنايا تلك التجارب التي غمرتك بتفاصيلها. والقرآن الكريم كان يربط على قلب النبي محمد بالقصص (نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبّت به فؤادك).

حين تكون قارئاً نهماً للروايات ومنغمساً بها فإنك تملك أرشيفاً ضخماً من تجارب البشر، وفهماً عميقاً للشعور الإنساني. ستفهم الإيماءات وتدرك الأفعال وتلتقط ما خلف الصمت والكلمات.

العالم بحاجة للروايات


الكلمة المرادفة للروايات والقصص هي التعاطف، وكم نحن بحاجة لذلك في عالمنا. كم نحن بحاجة لفهم إنسانيتنا ومكامن شعورنا، كم نحن بحاجة لمن يصفها ويرويها بكل جوانبها وتفاصيلها، حتى الجانب المظلم منها. نحن بحاجة ألا نبتعد عن كل ما يجعلنا نتقن إنسانيتنا. ورغم ذلك فإن قراءة الروايات وحتى دراسة الأدب قد لا تؤخذ على محمل الجد، ربما بسبب تأثيرها الغير ملموس مادياً مقارنة بغيرها من العلوم والكتب. ولكن تأثيرها المعنوي يمتد فينا دون أن نشعر.


ألم تتساءل يوماً كيف فهم الإنسان معنى الشعور إن لم يكن من خلال قصة، من خلال الآخر؟ كيف فهم الإنسان عمق الحزن الذي يصاحب الفقد، وثقل الخيبة التي ترافق الخيانة، وحجم الألم الذي ينمو خلف صوتٍ لا يُسمع. كيف فهم الإنسان أن القلوب تُزهر بالحب، وتطيب الأرواح باللطف، وتسكن الأنفس بالرحمة. كيف ضحك مع الآخر وبكى مع الآخر إن لم يكن من خلال قصة.

16 views0 comments

Recent Posts

See All